الجاحظ
332
رسائل الجاحظ
الخليفة لأسباب لم يذكرها يطول شرحها بزعمه . فرأى مناسبا ان يهديها إلى الفتح بن خاقان لان الحاجة إليها لا تزال ماسة . والجاحظ في ذلك يصدر عن منهجه السياسي الذي اعتمده طيلة حياته ولم يحد عنه ، وهو يقضي بالتقرب إلى الدولة ورجالها وعدم الابتعاد عنهم أو مهاجمتهم . وبما ان المعتصم هو الذي قدم العنصر التركي وأكثر منه في جيشه فقد ألّف الجاحظ هذا الكتاب الذي يرضي نزعة المعتصم ويؤيد سياسته ، وبما ان الفتح بن خاقان تركي الأصل فقد وجد صاحبنا من الملائم اهداءه هذا الكتاب أيضا . ونستطيع بناء على هذا ان نفسر الدافع الذي حمله على تصنيف رسالتين هامتين أخريين في هذا العهد هما : « رسالة في ذم الكتّاب » و « رسالة في الرد على النصارى » . فالمؤرخون يخبروننا ان المتوكل قد سخط على الكتّاب ونكبهم وراح يستبدل الواحد منهم بالآخر . وقال لإسحاق بن إبراهيم : انظر لي رجلين ، أحدهما لديوان الخراج والآخر لديوان الضياع فقال : هما عندي : يحيى بن خاقان وموسى بن عبد الملك بن هشام . وكان يحيى محبوسا مثل إسحاق بأموال كان يطلب بها في ولاية فارس ، وموسى محبوسا أيضا . فأحضرهما فولى يحيى بن خاقان ديوان الخراج وموسى ديوان الضياع . وعندما سخط المتوكل على محمد بن الفضل كاتب ديوان التوقيع عين مكانه عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان ( 247 ه ) ، وكذلك سخط على نجاح بن سلمة الكاتب لأنه كان يتنضح بأموال الناس فقبض عليه وسلمه إلى موسى بن عبد الملك بن هشام صاحب ديوان الخراج وإلى الحسن بن مخلد بن الجراح صاحب ديوان الضياع فعذبه الأول أياما حتى توفي وصودرت ضياعه ودوره وأمواله « 1 » .
--> ( 1 ) اليعقوبي ، التاريخ ، ج 2 ، ص 485 - 492 .